محمد الريشهري
271
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
" لمّا بعثني الله تعالى برسالته ضِقتُ بها ذرعاً ، وعرفت أنّ من الناس من يكذّبني " ( 1 ) فأمسك عن الدعوة حتى نزلت عليه الآية . ذكرنا فيما سلف أنّ سورة المائدة هي من بين آخر السور التي نزلت على النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) إن لم تكن آخرها ( 2 ) . فما الذي كان يريده الله سبحانه من قوله : ( بَلِّغْ ما أُنزِلَ إِلَيْكَ ) ، ولم ينزل على النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) شيء بعدُ ؟ وما الذي كان يخشاه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ويمنعه عن الإبلاغ ولمّا يواجهِ المشركون بعدُ آيةً أو آيات من تلك التي تقضّ مضاجعهم ، وتبعث فيهم النقمة والاهتياج ! إنّ هذا الذي يزعمونه لا يليق بمُبلِّغ عاديّ ، وهو ليس خليق بإنسان متوسّط الحال لا يزال في أوّل الطريق ، أفيجوز على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وذلك القلب المجدول إلى السماء ، الموصول بالله أبداً ؟ وهل يتّسق مع خطاه الراسخة وتلك الإرادة الصلبة التي لا تعرف الوهن ! أمّا ما ذكروه من أنّ الباعث على نزول الآية هو ما كان من حراسة أبي طالب عمّ النبيّ لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؛ إذ بنزول الآية طلب النبيّ إليه أن يكفّ عن الحراسة بعد أن وعد الله سبحانه بعصمته وحمايته ( 3 ) ؛ فإنّ فيه بالإضافة إلى ما تمّت الإشارة إليه في نقد الرؤية الأُولى ، أنّه يتعارض مع الواقع التاريخي الصادق . فهذا الواقع خير دليل على أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ظلّ يحظى بالحراسة سنوات خاصّةً في المدينة ، وليس ثمة شاهد أقوى على ذلك من وجود " أُسطوانة الحرس " . 2 - إخفاء بعض القرآن خوفاً من المشركين !
--> ( 1 ) أسباب النزول للواحدي : 204 / 402 ؛ الدرّ المنثور : 3 / 116 نحوه . ( 2 ) تفسير ابن كثير : 3 / 3 ؛ التحرير والتنوير : 4 / 255 . ( 3 ) الدرّ المنثور : 3 / 118 ؛ المعجم الكبير : 11 / 205 / 11663 .